الدور المحتمل لآلية دولية للمساءلة بشأن السودان
بقلم كريستين كيرابو، المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام (ACJPS)
Read in English Lire en français Leer en español Читати українською
هذا المقال جزء من العدد الخاص بالسودان من نشرتنا الإخبارية «جبر الضرر العادل»، التي تجمع وجهات نظر الممارسين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة جنباً إلى جنب مع الناجين من التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان. يستكشف هذا العدد الخاص النقاشات والمبادرات الجارية والمسارات الممكنة لضمان جبر الضرر لضحايا النزاع في السودان.
غالباً ما ينصبّ النقاش حول المساءلة في السودان على الملاحقات القضائية، في حين تكون أولويات الناجين أكثر إلحاحاً ومباشرة، وتتمثل في: معرفة الحقيقة، والاعتراف بالمعاناة، وجبر الضرر. وفي هذا المقال، تتناول كريستين كيرابو كيف يمكن لآلية دولية للمساءلة أن تسد الفجوة بين توثيق الجرائم وتحقيق عدالة ملموسة وذات مغزى.
لقد وثّق المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام (ACJPS) قضية الفاتح علي، وهو عامل في المجال الإنساني اعتقلته قوات الدعم السريع في نيالا بجنوب دارفور في 31 أغسطس 2024 أثناء تأديته لمهام إنسانية، دون أن تُوجَّه إليه أي تهمة جنائية. وتُعد قضيته واحدة من مئات الحالات التي وثّقها المركز منذ اندلاع الحرب؛
تقول كريستين: لقد علمتني هذه الحالات أمراً مهماً حول مواطن الخلل في نقاشات المساءلة في السودان. فنادراً ما تبدأ العائلات بمطالبة السلطات بإجراء محاكمات أو إصدار أحكام قضائية؛ بل ينصبّ اهتمامها أولاً على معرفة أماكن وجود أحبائهم، وما حلّ بهم، وما إذا كان سيتم الاعتراف رسمياً بالانتهاكات التي تعرضوا لها. وبالنسبة للعديد من الضحايا والناجين، لا تأتي العدالة وتدابير جبر الضرر إلا بعد تلبية هذه الاحتياجات الأكثر إلحاحاً. لذا، عند تصميم أي آلية للمساءلة في السودان يجب مراعاة هذا الترتيب للأولويات.
ومن الضروري التحلي بالصراحة بشأن هشاشة الإطار الحالي للمساءلة؛ إذ تستمد المحكمة الجنائية الدولية ولايتها القضائية بشأن السودان بالكامل من قرار مجلس الامن الصادر عام 2005 ، والذي يقتصر نطاقه على الوضع في دارفور. وحتى في ظل هذا النطاق المحدود، لم تتم إدانة سوى شخص واحد فقط؛ وهو علي كوشيب فقد أُدين في أكتوبر 2025 وحُكم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً لإدانته في 27 تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت عامي 2003 و2004. ورغم أن هذا يمثل إنجازاً هاماً تحقق بعد عقدين من الزمن -كما أن إجراءات جبر الضرر التي بدأت مؤخراً في هذه القضية، والتي شملت الاعتراف بأكثر من 1500 ضحية، تكتسب أهمية بالغة لمجتمعات “الفور” التي انتظرت طويلاً- إلا أنها تظل قضية تتعلق بـ “حرب دارفور الأولى”. لم تتم مساءلة أي شخص، في أي مكان، عن أي جريمة ارتُكبت منذ اندلاع الصراع الحالي في أبريل 2023؛ وما لم تكن هناك صلة كافية بإقليم دارفور، فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك أي ولاية قضائية على الأحداث التي وقعت في الخرطوم أو كردفان أو الجزيرة أو غيرها من المناطق التي تنهشها هذه الحرب.
لقد عملت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق على سد تلك الفجوة جزئياً منذ عام 2023، وتميزت تقاريرها بالجرأة والصراحة، بما في ذلك ما خلصت إليه في فبراير 2026 من أن حملة قوات الدعم السريع في الفاشر حملت سمات الإبادة الجماعية. ومع ذلك، ورغم قدرة البعثة على توثيق الأدلة وحفظها، إلا أنها لا تملك صلاحية مقاضاة أي شخص أو الأمر بدفع تعويضات. وفي الوقت نفسه، تضطلع بعثة تقصي الحقائق التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بعمل موازٍ؛ ففي مايو من هذا العام، أصدرت الهيئتان بياناً مشتركاً يدعو إلى إنشاء آلية بقيادة أفريقية -تعمل جنباً إلى جنب مع المحكمة الجنائية الدولية- للتحقيق الفعلي في هذه القضايا. وتُعد هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً يعكس وجود إرادة سياسية؛ غير أنها -كما أشار المنتقدون- تظل مجرد نص يعبر عن النوايا لا مؤسسة قائمة بذاتها، إذ تفتقر إلى وجود أساس قانوني واضح للولاية القضائية، وإلى ميزانية، وإلى آلية للتنفيذ في بلد توقفت محاكمه الوطنية فعلياً عن العمل.
هذه هي الفجوة التي يتعين على آلية دولية أو هجينة حقيقية أن تعالجها: آلية ذات ولاية تشمل البلاد والحرب الحالية -وليس فقط دارفور وأحداث عام 2003- وتتمتع بصلاحية محاكمة المتورطين في القضايا بدلاً من الاكتفاء بتوثيقها. وبنفس القدر من الأهمية، تبرز ضرورة أن تضع هذه الآلية أسساً صحيحة منذ البداية؛ إذ تقدم تجربة المحكمة الجنائية الدولية درساً مهماً، وإن كان بمثابة تحذير في المقام الأول. فوفقاً لنظام روما الأساسي، تُعد مرحلة جبر الضرر (التعويضات) مرحلة لاحقة لصدور حكم بالإدانة؛ وهو ما يعني -في قضية كوشيب- أن الضحايا لا يقدمون مرافعاتهم بشأن التعويضات المستحقة لهم إلا الآن، أي بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن.
لذا، ينبغي للآلية المخصصة للصراع الحالي في السودان أن تبدأ عملها بشكل عاجل، بغض النظر عن صدور أحكام بالإدانة؛ إذ يجب أن تتضمن هيكليتها منذ اليوم الأول عناصر مشاركة الضحايا، وإثبات الضرر، ووجود آلية فعالة لجبر الضرر.
علينا أن نستفيد من إخفاقات التنفيذ السابقة وأن نعالج بشكل شامل حق الضحايا في الحصول على التعويضات. يتضمن اتفاق جوبا للسلام بروتوكولًا للتعويضات والجبر في دارفور، يتناول إعادة الممتلكات المنهوبة، والإنصاف على مستوى المجتمعات المحلية، وهو بروتوكول لم يُفعّل قط. ينبغي لأي آلية جديدة أن تتساءل عن كيفية ارتباطها بهذا الالتزام غير المكتمل، بدلًا من التعامل مع التعويضات كاختراع دولي بحت يُفرض على السودان من الخارج.
لن ينجح أي من هذا ما لم تُعطَ الأولوية للأساسيات وتُوفّر لها الموارد اللازمة وهي تتلخص في: محققون قادرون على الوصول إلى أماكن وقوع الجرائم، وحماية الشهود والناجين الذين يدلون بشهاداتهم، وحفظ الأدلة المتناثرة حاليًا بين فريقين من فرق التحقيق الفيدرالية، وحفظ ملفات مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وملفات قضايا مركز دراسات العدالة والسلام، ومجتمعات محلية توثّق خسائرها بنفسها دون أي دعم يُذكر. لقد رأيتُ كيف تختفي أدلة كثيرة ببساطة عندما لا يملك أحد الصلاحية أو الموارد اللازمة لحفظها.
إن أي آلية تُستحدث بعد تداعي الأدلة لن تجد سوى القليل لتعمل به، مهما بلغت جودة تصميمها النظري.
لا تسير العلاقة بين المساءلة وجبر الضرر وفق تسلسل خطي، بحيث تأتي إحداهما تلو الأخرى بمجرد تحقق الأولى؛ فقضية “الفاتح علي” لا تزال مفتوحة، وكذلك مئات القضايا المماثلة. وبالنسبة للأشخاص المعنيين بهذه الملفات، فإن المساءلة وجبر الضرر يمثلان مطلباً واحداً بصياغات مختلفة: أخبرونا بما حدث، وسمّوا الفاعل، واجبروا الضرر الذي لا يزال قابلاً للإصلاح. ولن تكون هناك جدوى من إنشاء آلية دولية للسودان ما لم تتخذ هذه النقاط منطلقاً أساسياً لعملها، بدلاً من اعتبارها مخرجاتٍ تُحدد لاحقاً.
بالنسبة للناجيات والناجين، قد تبدأ عملية جبر الضرر بعبارة بسيطة ولكنها عميقة الأثر: “نحن نصدقكم. وما حدث لكم يهمنا. ولن نقبل بأن يتكرر ذلك معكم مرة أخرى”.
اشترك في نشرة «جبر الضرر العادل
تم تمويل هذا العدد من نشرة «جبر الضرر العادل» بشكل مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية الكاملة عن محتوياته على عاتق المنظمات التي أعدّت هذا المنشور، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي.
