من التوثيق إلى جبر الضرر: لماذا يحتاج السودان إلى سجل للضحايا؟

بقلم هوغو فان دير ميروي وكلارا ساندوفال – الصندوق العالمي للناجين

Read in English Lire en français Leer en español Читати українською

هذا المقال جزء من العدد الخاص بالسودان من نشرتنا الإخبارية «جبر الضرر العادل»، التي تجمع وجهات نظر الممارسين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة جنباً إلى جنب مع الناجين من التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان. يستكشف هذا العدد الخاص النقاشات والمبادرات الجارية والمسارات الممكنة لضمان جبر الضرر لضحايا النزاع في السودان.

اقرأ النشرة الإخبارية

في هذا المقال، يبدأ جبر الضرر بالاعتراف.  

يوضح كل من هوغو فان دير ميروي وكلارا ساندوفال كيف يمكن لإنشاء سجل للضحايا في الوقت الراهن أن يضمن عدم نسيان الناجين من النزاعات في السودان، وأن يتيح لهم يوماً ما الحصول على جبر الضرر الذي يستحقونه. استُخدم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع كسلاح حرب واسع النطاق خلال دورات النزاع المتكررة في السودان. ورغم توثيق أنماط العنف هذه – لا سيما من خلال آليات المساءلة – إلا أنه لم يُبذل سوى القليل للاعتراف بتجارب الناجين أو تأكيد حقهم في جبر الضرر. ومع اجتياح موجة جديدة من النزاع للبلاد، بات من الضروري وضع حق الناجين في سبل الانتصاف وجبر الضرر، ومعالجة الأضرار العاجلة التي لحقت بهم، في صميم الجهود الإنسانية وجهود السلام والعدالة الانتقالية. ويُعد “سجل الضحايا” ركيزة أساسية لجعل الضحايا والناجين محوراً لهذه الجهود. 

وعلى الرغم من قبول توثيق انتهاكات حقوق الإنسان كعنصر جوهري في كافة جوانب العدالة الانتقالية، إلا أن هذه العمليات لم تكن دائماً متمحورة حول الناجين، كما أن دورها في تعزيز الحق في جبر الضرر لم يحظَ بالاعتراف الكافي إلا مؤخراً ضمن مسارات العدالة الانتقالية حول العالم. 

سجل الضحايا 

السجل هو قاعدة بيانات تُستخدم لتسجيل المعلومات المتعلقة بالضحايا – سواء كانوا أفراداً أو مجموعات – بشكل منهجي وآمن وسري. وتشمل هذه المعلومات هوياتهم، والأضرار التي لحقت بهم، وبيانات أخرى تهدف إلى التحقق من صفتهم كضحايا لانتهاكات محددة (بما في ذلك العنف الجنسي المرتبط بالنزاع)، وتمكينهم في نهاية المطاف من الحصول على أشكال مناسبة من جبر الضرر. 

تُوجه جهود التوثيق في المقام الأول نحو جمع الأدلة على الانتهاكات لغايات المساءلة الجنائية. ورغم أن قدراً كبيراً من المعلومات يُستمد من الضحايا والناجين، إلا أن التركيز ينصب غالباً على تحديد هوية الجناة وحفظ الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم. وفي المقابل، يعمل سجل الضحايا كأداة مكملة لتلك الجهود؛ إذ ينصب تركيزه على توثيق تجارب الناجين والأضرار التي لحقت بهم بصفتهم أصحاب حقوق، والاعتراف بتلك التجارب وحفظها. 

تساهم سجلات الضحايا في إعمال الحقوق المتعلقة بالعدالة والحقيقة والذاكرة وضمانات عدم التكرار، كما تسهل الانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى برنامج لجبر الضرر قائم على نهج حقوقي. ويُشكل السجل إحدى الركائز الأساسية التي تُبنى عليها برامج جبر الضرر الوطنية والدولية واستجابات السياسات، فضلاً عن دوره في حفظ الذاكرة الجماعية من خلال ضمان تسجيل الانتهاكات كجزء من السجل التاريخي. 

وفي سياقات عديدة، أدى الفشل في إنشاء سجل شامل إلى ضياع الذاكرة التاريخية المتعلقة بتجارب الضحايا والناجين، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن من يحق لهم الحصول على تعويضات من الدولة. إن إنشاء سجل للضحايا بعد مرور سنوات عديدة على وقوع الانتهاكات يفرض تحديات كبيرة تتعلق بالتواصل مع الناجين، وجمع معلومات يمكن التحقق من صحتها، وضمان حصولهم على حقوقهم. 

الاستفادة من التجارب الدولية 

لقد تبلورت ممارسات عالمية هامة بشأن استخدام السجلات لأغراض جبر الضرر. وتُعد كولومبيا نموذجاً لما يمكن تحقيقه عند إعطاء الأولوية لعملية شاملة لتسجيل الضحايا؛ إذ يضم السجل -الذي أُنشئ بموجب “قانون الضحايا واسترداد الأراضي”- حالياً أكثر من 10 ملايين ضحية معترف بها، بمن فيهم 49,666 ناجياً وناجية من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وقبل إنشاء هذا السجل، كانت التقديرات تشير إلى أن إجمالي عدد الضحايا يبلغ حوالي 200 ألف شخص، مما يسلط الضوء على الفجوات المعرفية الكبيرة التي قد تنشأ في غياب مثل هذه الأنظمة. كما تظهر تجربة كولومبيا أن التسجيل الشامل للضحايا أمر قابل للتحقيق حتى في السياقات التي تشهد نزوحاً مستمراً وأزمات إنسانية ونزاعات مسلحة. 

وهناك دروس هامة يمكن استخلاصها أيضاً من تجربة كوسوفو؛ فبعد انتهاء النزاع بفترة وجيزة، بدأ “مركز كوسوفو لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب” وغيره من منظمات المجتمع المدني في تسجيل الناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات بشكل منهجي. وبعد مرور عقدين من الزمن، أصبحت هذه الوثائق ركيزة أساسية للبرنامج الوطني لجبر الضرر، مما مكن الناجين من إثبات أهليتهم، والحصول على اعتراف رسمي، والاستفادة من المزايا المتاحة. وتُبرز تجربة كوسوفو القيمة طويلة الأمد للتسجيل المبكر؛ إذ تظل المعلومات التي جُمعت بالقرب من وقت وقوع الانتهاكات ذات أهمية بالغة حتى بعد مرور سنوات عديدة، وذلك عند إنشاء آليات جبر الضرر أخيراً. 

كما توفر تجارب كل من بيرو والعراق والبوسنة والهرسك دروساً قيمة حول تسجيل الضحايا. وفي المقابل، تُظهر تجربة غواتيمالا عواقب عدم إنشاء سجل في مرحلة مبكرة؛ إذ لا تزال التحديات المتعلقة بتحديد هوية الضحايا وتقديم التعويضات قائمة حتى بعد مرور عقود على النزاع، مما يؤكد أهمية تسجيل الضحايا في الوقت المناسب. 

وفي سياقات مختلفة مثل أوكرانيا وسوريا ونيبال، تُظهر تجربة “الصندوق العالمي للناجين” (GSF) أن التسجيل المبكر للناجين يُعد أمراً بالغ الأهمية لجهود جبر الضرر المستقبلية. ففي أوكرانيا ، قام الصندوق وشركاؤه بتسجيل ناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع لدعم آلية عاجلة ومؤقتة لجبر الضرر تقودها الحكومة، حيث وفرت هذه الآلية للناجين تعويضات مالية وإحالات طبية. ستستمر هذه العملية في إطار تنفيذ “قانون باردينا” ، وهو قانون يُرسي برنامجاً محلياً لجبر الضرر لصالح الناجيات والناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، مما يعزز الأسس اللازمة لبرنامج وطني مستقبلي لجبر الضرر يشمل جميع الضحايا. 

الحاجة إلى سجل للضحايا في السودان 

توجد في السودان بالفعل منظمات عديدة تعمل على توثيق الانتهاكات وبناء قواعد بيانات للناجين والناجيات الذين هم بحاجة إلى دعم عاجل. كما تُبذل جهود لضمان التوثيق الفعال لحالات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري التي وقعت في الماضي، وحفظ هذه المعلومات في أرشيف آمن. وتجري هذه الأنشطة بالتوازي مع جهود دولية تقودها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لجمع المعلومات والتحقق منها بشأن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. 

ونظراً لانتشار ممارسات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، فإن إنشاء عملية تسجيل تتمحور حول الناجين والناجيات من شأنه أن يوفر مساراً آمناً وسرياً يتيح الاعتراف بهم وتمكينهم من ممارسة حقوقهم. ومع ذلك، فإن السجلات ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتسهيل الحصول على جبر الضرر. لذا، لا تقتصر قيمتها على مجرد الاعتراف بالناجين وتوثيق الانتهاكات، بل تمتد لتشمل ضمان أن تفضي عملية التسجيل إلى تدابير ملموسة لجبر الضرر، تكون قادرة على معالجة – ولو جزئياً – الأضرار الجسيمة التي عانى منها الناجون والناجيات. 

بالنسبة للناجيات والناجين، قد تبدأ عملية جبر الضرر بعبارة بسيطة ولكنها عميقة الأثر: “نحن نصدقكم. وما حدث لكم يهمنا. ولن نقبل بأن يتكرر ذلك معكم مرة أخرى”. 

اشترك في نشرة «جبر الضرر العادل

تم تمويل هذا العدد من نشرة «جبر الضرر العادل» بشكل مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية الكاملة عن محتوياته على عاتق المنظمات التي أعدّت هذا المنشور، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي.