المساءلة وحقوق الضحايا وجبر الضرر في السودان: بلد يمر بأزمة
منعم آدم – مركز السودان لحقوق الإنسان “SHRH“
Read in English Lire en français Leer en español Читати українською
هذا المقال جزء من العدد الخاص بالسودان من نشرتنا الإخبارية «جبر الضرر العادل»، التي تجمع وجهات نظر الممارسين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة جنباً إلى جنب مع الناجين من التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان. يستكشف هذا العدد الخاص النقاشات والمبادرات الجارية والمسارات الممكنة لضمان جبر الضرر لضحايا النزاع في السودان.
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مؤخراً أول حكم بالإدانة فيما يتعلق بالجرائم المروعة التي ارتُكبت في دارفور قبل نحو عقدين من الزمن، واضعةً بذلك حداً لحالة الإفلات التام من العقاب. وتنبثق هذه القضية عن أول ملاحقة قضائية ترتبط مباشرة بجرائم ميليشيا الجنجويد، وتُعد الحكم الوحيد الصادر بشأن جرائم دولية ارتُكبت سابقاً في السودان. وتكتسب هذه الإدانة أهمية خاصة في ظل الصراع المتجدد بين القوات المسلحة السودانية و“قوات الدعم السريع” – والأخيرة فصيل منبثق عن الجنجويد- والذي يحتدم في السودان منذ أكثر من ثلاث سنوات، مما أدى إلى تحول البلاد إلى بؤرة لأكبر أزمة إنسانية في العالم.
حُكم على علي كوشيب بالسجن لمدة عشرين عاماً . وتُعد هذه العقوبة أقل من الحد الأقصى البالغ 30 عاماً الذي ينص عليه نظام روما الأساسي، أو عقوبة السجن مدى الحياة التي يمكن تطبيقها في بعض الحالات. وتتعلق التهم بجرائم ارتُكبت خلال الفترة ما بين أغسطس 2003 وأبريل 2004، وتشمل 27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. وقد خلصت المحكمة إلى أن أفعال كوشيب الشنيعة قد دمرت مدناً في غرب دارفور واستهدفت مدنيين من غير العرب. كما أثبت الحكم وجود تعاون وثيق بينه وبين السلطات السودانية، مما يوضح كيف تحولت الميليشيات المحلية إلى أدوات تستخدمها الدولة للقمع.
لقد أثبت الحكم على كوشيب أن هناك أملاً، وأن الإفلات من العقاب في السودان لن يكون هو الخيار الأبدي.
الفظائع الجماعية والطريق الطويل نحو التعويضات
خلال إجراءات المحكمة الجنائية الدولية، قدمنا الدعم للناجين وأفراد أسرهم وقادة المجتمع لزيارة لاهاي ومتابعة المحاكمة. وقبيل بدء جلسة المحكمة، أُزيح الستار ليتسنى للجمهور رؤية قاعة المحكمة؛ وحينها أغمي على أحد زعماء قبيلة “الفور” فور رؤيته لكوشيب داخل القاعة ونُقل إلى المستشفى. وعندما استعاد وعيه، قال إنه لم يتحمل النظر إلى كوشيب لأن ذلك أعاد إلى ذاكرته أوقاتاً عصيبة. كانت آخر مرة رأوه فيها عندما جاء “كوشيب” إلى عائلتهم بالقرب من “مكجر” واختطف شقيقه عام 2004؛ وحتى الآن، لا يزال مصير شقيقه مجهولاً.
لقد رحب سكان دارفور -الذين نشأوا على سماع وعود بالمحاسبة- بقرار الإدانة هذا؛ إذ يمثل القرار رسالة مفادها أن العدالة ممكنة التحقق، وإن جاءت متأخرة أو جزئية. وقد تابع الناجون وسكان مخيمات اللاجئين والنازحين في دارفور وقائع المحاكمة، سواء بالحضور الشخصي أو عبر الإنترنت الفضائي. وعلاوة على ذلك، فهم ينادون بإدانة بقية الهاربين، بمن فيهم عمر البشير. ورغم الأهمية البالغة لهذا الحكم، إلا أنه يكشف عن صعوبة تحقيق العدالة وجبر الضرر في قضايا بهذا الحجم والتعقيد.
جبر الضرر: ما بعد قاعة المحكمة
بعد صدور الإدانة، تواجه المحكمة الجنائية الدولية تحدياً كبيراً يتمثل في اعتماد أمر لجبر الضرر لتعويض نحو 140 الف فرد ، وذلك في ظل استمرار الفظائع. وبعد الاستماع إلى مقترحات أطراف القضية والأطراف المتدخلة، ستبت المحكمة في نطاق ومدى تدابير جبر الضرر، وسيتولى “صندوق المحكمة الاستئماني للضحايا” (TFV) تنفيذ هذا الأمر.
ولا تزال هناك عقبات كبيرة تعترض تنفيذ أمر جبر الضرر المرتقب من المحكمة الجنائية الدولية بسبب تحديات هيكلية معقدة. وفيما يلي بعض النقاط المستمدة من مطالبات المجتمع بالعدالة؛ إذ سيواجه تنفيذ تدابير جبر الضرر تحديات هائلة، منها:
- عدم انضمام السودان إلى نظام روما الأساسي وافتقاره إلى الإرادة للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
- النزاع المستمر الذي يخلق بيئة عدائية تعيق بشدة التعاون في تنفيذ قرارات المحكمة.
ولكي يكون جبر الضرر ذا مغزى حقيقي، يجب أن يعالج عدة جوانب جوهرية ومعقدة:
- الاعتراف الرسمي والاعتذار العلني عن جسامة الجرائم المرتكبة بحق هذه المجتمعات، مع ضمان حق الناجين وذويهم في إحياء ذكرى أحبائهم دون عوائق أو أعمال انتقامية إضافية.
- توفير المساعدات النفسية والاجتماعية اللازمة لإعادة بناء حياة الناجين -وهو مطلب قانوني وليس مجرد عمل إحساني- بما في ذلك المرافق التعليمية، والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات الرعاية الصحية للسكان.
- حظر التمييز المؤسسي، وإنفاذ القوانين الحمائية الخاصة بهذه المجتمعات، والاعتراف بها كفئة محمية تستحق برامج إنصاف موجهة.
- التعويض المالي.
- ينبغي أن تتضمن تدابير جبر الضرر مساراً واضحاً يتيح للمجتمعات استعادة أراضي أجدادها يوماً ما، كأن يصدر عن المحكمة إعلان رمزي بهذا الشأن. وتُعد استعادة الأرض والإقليم أوضح صور “الرد إلى الحالة السابقة”، إذ تهدف إلى إعادة الضحايا إلى الوضع الذي كان قائماً قبل وقوع الانتهاك.
- نظراً لاستمرار حالة انعدام الأمن في دارفور، يجب أن تقترن أي مناقشة بشأن جبر الضرر بضمانات سلامة موثوقة وقابلة للتنفيذ. فبدون توفير الحماية من هجمات إضافية قد تشنها القوات العسكرية أو الميليشيات المتحالفة معها، هناك خطر بأن تقتصر قيمة التعويضات المالية على الجانب الرمزي فحسب؛ فالتعويض الذي يفتقر إلى الحماية لا يُعدّ جبراً حقيقياً للضرر.
تُعد العناصر المذكورة أعلاه ملحّة وجوهرية في آن واحد. ومع ذلك، ونظراً لمحدودية نطاق قرار جبر الضرر الذي يُتوقع أن تصدره المحكمة الجنائية الدولية بحق “كوشيب”، فإن بعض هذه الاحتياجات لا يمكن تلبيتها بشكل كافٍ من خلال قرار قضائي وحده. لذا، تبرز الحاجة أيضاً إلى برنامج شامل لجبر الضرر، يتضمن آليات واضحة للتنفيذ وقنوات محددة لإيصال التعويضات. وينبغي أن يشمل ذلك إقرار حكومة السودان بمسؤوليتها، واستمرار التعاون الدولي، واعتماد تدابير فعالة لإنصاف الضحايا والمجتمعات المتضررة.
يُعتبر هذا الحكم إنجازاً كبيراً، إلا أنه سيواجه تحديات جسيمة عند تنفيذ أي تدابير لجبر الضرر، وذلك بسبب المشاكل الأمنية وعمليات النزوح الجماعي للمجتمعات، سواء داخل البلاد أو خارجها. ويتعين على المجتمع الدولي دعم المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك إنشاء محكمة خاصة للمساعدة في وضع حد للإفلات من العقاب، لا سيما فيما يتعلق بالصراع الراهن.
بالنسبة للناجيات والناجين، قد تبدأ عملية جبر الضرر بعبارة بسيطة ولكنها عميقة الأثر: “نحن نصدقكم. وما حدث لكم يهمنا. ولن نقبل بأن يتكرر ذلك معكم مرة أخرى”.
اشترك في نشرة «جبر الضرر العادل
تم تمويل هذا العدد من نشرة «جبر الضرر العادل» بشكل مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية الكاملة عن محتوياته على عاتق المنظمات التي أعدّت هذا المنشور، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي.
