الولادة كنتيجة: سؤال مفتوح لمرحلة جبر الضرر

مطمورة

Read in English Lire en français Leer en español Читати українською

هذا المقال جزء من العدد الخاص بالسودان من نشرتنا الإخبارية «جبر الضرر العادل»، التي تجمع وجهات نظر الممارسين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة جنباً إلى جنب مع الناجين من التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان. يستكشف هذا العدد الخاص النقاشات والمبادرات الجارية والمسارات الممكنة لضمان جبر الضرر لضحايا النزاع في السودان.

اقرأ النشرة الإخبارية

لم تتضح بعد طبيعة ما يمكن أن تقدمه مرحلة جبر الضرر في قضية “المدعي العام ضد علي كوشيب” للأشخاص الذين وُلدوا نتيجة للجرائم التي أدين بارتكابها. وتُعد هذه المسألة غير مألوفة لدرجة أن مجرد إيجاد تسمية لهذه الفئة يمثل تحدياً؛ إذ عادةً ما يُشار إليهم بـ “الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب”، رغم أن من وُلدوا عقب هجمات عامي 2003 و2004 على دارفور قد بلغوا الآن أوائل العشرينيات من العمر، وقد لا يصف بعضهم أنفسهم بهذه المصطلحات. لذا، فإن أي محاولة جادة للنظر في ماهية جبر الضرر بالنسبة لهم يجب أن تبدأ بالإقرار بقلة المعلومات الموثوقة المتوفرة حول هويتهم، وأعدادهم، وتطلعاتهم. 

وتستند الأدلة المتاحة في الغالب إلى شهادات نساء نزحن خلال عامي 2003-2004 وتحدثن عن تجاربهن في تربية هؤلاء الأطفال. وتشير رواياتهن باستمرار إلى عدم إصدار شهادات ميلاد أو أرقام هوية وطنية لهم، وإلى وصف هؤلاء الأطفال بأنهم “غير شرعيين” وإخبارهم بأنهم بلا قيمة بسبب ما تعرضت له أمهاتهم؛ كما تبيّن أن بعضهم – ممن أصبحوا آباءً وأمهاتٍ الآن – لم ينجحوا بدورهم في تسجيل أطفالهم. 

يتخذ هذا الضرر أشكالاً متعددة؛ فهو ليس مجرد إصابة أو أذى وقع في عامي 2003 أو 2004، بل هو وضع فُرض عليهم منذ الولادة، يحد من فرصهم وإمكانية حصولهم على حقوقهم في كل مرحلة من مراحل حياتهم، بل وينتقل الآن إلى جيل جديد. وتتفاقم آثار هذا الإقصاء بمرور الوقت، مما يزيد من تكلفة التقاعس عن التحرك عاماً بعد عام. وهذا ما يجعل من توفير الوثائق المدنية شكلاً بالغ الأهمية من أشكال جبر الضرر لهذه الفئة. ومن شأن المشاورات مع الضحايا والشراكات مع المنظمات النسائية المحلية أن تعزز العملية ونتائجها، وذلك من خلال معالجة الصدمات المتوارثة عبر الأجيال، والوصمة الاجتماعية، والمخاوف الأمنية، وغيرها من العوائق، بالاستناد إلى المعرفة والخبرات المحلية. 

وقد تكون مسألة غياب الوثائق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقانون السوداني. فبموجب قانون الأحوال الشخصية السوداني، تستمد الهوية القانونية من “النسب” (أي نسب الأب)، وكان التسجيل يتطلب عموماً ذكر اسم الأب. وقد عرّفت المادة 149 من القانون الجنائي لعام 1991 -بصيغتها السارية عام 2003- الاغتصابَ على أنه “زنا” (علاقة جنسية غير مشروعة) دون رضا، مما أخضع مزاعم الاغتصاب لقواعد الإثبات الخاصة بالزنا وعرّض النساء اللواتي عجزن عن إثبات الاعتداء للملاحقة القضائية. ظل هذا الإطار قائماً حتى فبراير 2015، في حين يبدو أن قانون الإثبات لعام 1994 استمر في طمس الفوارق بين الجريمتين. سمحت المادة 135 بإنهاء الحمل في غضون تسعين يوماً إذا كان الحمل ناتجاً عن اغتصاب، لكن الاستفادة من هذا الإجراء كانت مرهونة بالحصول على “أورنيك 8″  -الذي لا يتوفر إلا عبر مراكز الشرطة والمرافق المعتمدة- وهو ما كان يتعذر الحصول عليه غالباً في المناطق الريفية بدارفور. ورغم أن قانون الطفل لعام 2010 نص على تسجيل الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، إلا أنه صدر بعد مرور ست سنوات على وقوع العديد من حالات الولادة تلك. 

وما يضفي طابعاً ملحاً على هذه المسألة -بدلاً من اعتبارها مجرد قضية تتعلق بالماضي- هو أن الجرائم ذاتها تُرتكب حالياً في دارفور. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 546 حادثة عنف جنسي مرتبط بالنزاع في الفترة ما بين أبريل 2023 وأبريل 2026، وذلك في 16 ولاية من ولايات السودان الثماني عشرة، وأسفرت هذه الحوادث عن حمل أو ولادة ما لا يقل عن 59 امرأة وفتاة، مع التنويه بأن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء مما حدث بالفعل. ويشير التقرير إلى أن الأفعال المرتكبة في دارفور ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، كما يوثق إبلاغ نساء من قبيلة “المساليت” في عام 2023 بأنهن سيحملن بأطفال المهاجمين (أي أفراد قوات الدعم السريع). 

لا يوجد نظام تسجيل فعال في معظم أنحاء دارفور، ولا تتوفر إمكانية واقعية لإنهاء الحمل، كما تغيب أي سلطة لتوفير الحماية. وقد وصفت نساءٌ نزحن قبل عقدين من الزمن الجرائمَ ذاتها التي تُرتكب الآن بحق بناتهن. ومع ذلك، فإن جبر الضرر يرتبط بالجريمة التي صدرت بشأنها إدانة، وبزمان ومكان وقوعها المحددين. ولا داعي للطعن في هذه القاعدة لإدراك كيف تبدو الأمور من منظور أسرة يُعترف فيها بجيل ولا يُعترف بالجيل التالي، أو لإدراك أن هذا الإجراء سيُنفَّذ في ظل نزاع مستمر وليس في مرحلة ما بعد النزاع. 

إن هذا المبدأ القانوني ليس جامداً أو مغلقاً. في قضية أونغوين (أوغندا)، اعترفت المحكمة الجنائية الدولية بالأطفال المولودين نتيجة للعنف الجنسي بصفتهم مستفيدين ، واعتبرت غياب وثائق الهوية ضرراً يستوجب جبر الضرر. وثمة فروق جوهرية بين الوضعين الأوغندي والسوداني. في قضية “أونغوين” (Ongwen)، ارتبط الأطفال المعنيون في المقام الأول بجرائم ارتُكبت في إطار نظام الاختطاف والأسر الذي انتهجه “جيش الرب للمقاومة” (LRA). ولذا، اتسمت مجموعة الضحايا بوضعيات محددة مثل الاختطاف والزواج القسري والحمل القسري — وهي انتهاكات شملتها التهم والأحكام القضائية — كما مرّ العديد من العائدين عبر مراكز استقبال أوجدت نوعاً من السجلات التوثيقية ولو بحدها الأدنى. وفي المقابل، وقعت حوادث الاغتصاب في دارفور أثناء هجمات استهدفت القرى والمجتمعات؛ إذ لا يوجد سجل مماثل، كما أن الناجيات وأطفالهن يتوزعن الآن بين المخيمات وعبر الحدود الوطنية. وعلاوة على ذلك، كانت أوغندا قد خرجت من دائرة الصراع النشط لأكثر من عقد من الزمان بحلول الوقت الذي صدر فيه قرار التعويضات، في حين أن أي إجراء مماثل في السودان سيتعين تنفيذه في ظل صراع مسلح مستمر. 

تُظهر أهمية قضية “أونغوين” أن الدائرة القضائية قادرة على تسمية هذه الفئة من الضحايا والتعامل مع مسألة التوثيق (أو غيابه) باعتبارها ضرراً قابلاً للجبر؛ غير أن هذا لا يعني بالضرورة إمكانية نقل أساليب تحديد الهوية المستخدمة هناك وتطبيقها في سياقات أخرى. 

تكمن التحديات الأصعب في الجوانب الإثباتية والاجتماعية، وهي تحديات تتعارض فيما بينها؛ إذ يُتوقع من مقدم الطلب البالغ أن يوضح كيفية أو مكان ولادته، في حين أن الكثيرين في هذه الفئة لا يملكون هذه المعلومة، ومن يعرفونها غالباً ما عرفوها في سياق إهانات وُجّهت إليهم. إن اشتراط الإفصاح عن هذه المعلومة يعني مطالبة الشخص بتدوين الحقيقة الوحيدة الأكثر قدرة على تقويض مكانته الاجتماعية في محيطه، ثم مطالبة والدته بتأكيدها. ولذا، يبدو أن المسار الأقل ضرراً هو تحديد الأهلية استناداً إلى قرائن مرتبطة بطبيعة الجريمة ذاتها بدلاً من الاعتماد على الإفصاح الفردي. وينطبق الحذر ذاته على آلية تقديم التعويضات؛ فالتدابير الموجهة لهذه المجموعة ضرورية، لكن فصلها بشكل ظاهر قد يُفسَّر محلياً على أنه معاملة تفضيلية، مما قد يفاقم الوصمة التي كان يُراد معالجتها أصلاً. ويبدو أن التصميم الأكثر قابلية للتبرير يكمن في دمج هذه التدابير ضمن حزم جماعية متاحة لعموم السكان المتضررين، مع توضيح الأسباب الكامنة وراءها، وإظهار الأولوية من خلال ترتيب التنفيذ بدلاً من التخصيص التفاضلي. 

وتظل هناك تساؤلات مفتوحة: هل يمكن الاعتراف بشخص ما كضحية دون مطالبته بالتصريح بذلك؟ وما هو التزام المؤسسة تجاه شخص قد لا يرغب أبداً في المطالبة بحقه؟ وهل يُعد الوضع القانوني الذي نشأ عند الولادة ولا يزال قائماً بعد عقدين من الزمن ضرراً مستمراً أم ضرراً مكتمل الأركان؟ ومن يملك سلطة البت في ذلك؟ هل يمكن لأمرٍ قضائيٍ يقتصر على شخصٍ واحدٍ وفترةٍ زمنيةٍ لا تتعدى بضعة أشهر في عام 2003 أن يقرَّ بضررٍ يجري إعادة إنتاجه وتوليده في اللحظة ذاتها التي يُصاغ فيها ذلك الأمر؟ وهل يتوقف هذا الإقرار بالضرورة عند حدود الإدانة؟ وهل تكمن الإجابة أصلاً في مسألة جبر الضرر؟ ليست هذه أسئلةً ستحسمها المرحلة الراهنة، غير أن الشروط التي تضعها هذه المرحلة – وكيفية تسمية الفئة المعنية، ومدى ضيق أو اتساع نطاقها، وما إذا كانت ستمتد لتشمل جيلاً ثانياً – ستشكل ملامح أي آلية لاحقة (سواء كانت سودانية أو ذات طابع دولي) ترث هذا الإرث، كما ستحدد حجم الجهد الذي سيتعين بذله لإعادة طرح هذه القضايا ومناقشتها من جديد. 

بالنسبة للناجيات والناجين، قد تبدأ عملية جبر الضرر بعبارة بسيطة ولكنها عميقة الأثر: “نحن نصدقكم. وما حدث لكم يهمنا. ولن نقبل بأن يتكرر ذلك معكم مرة أخرى”. 

اشترك في نشرة «جبر الضرر العادل

تم تمويل هذا العدد من نشرة «جبر الضرر العادل» بشكل مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية الكاملة عن محتوياته على عاتق المنظمات التي أعدّت هذا المنشور، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي.