تعزيز دور الاتحاد الأفريقي بشأن السودان
كيتلين لويد – منظمة “ريدريس”
Read in English Lire en français Leer en español Читати українською
هذا المقال جزء من العدد الخاص بالسودان من نشرتنا الإخبارية «جبر الضرر العادل»، التي تجمع وجهات نظر الممارسين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة جنباً إلى جنب مع الناجين من التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان. يستكشف هذا العدد الخاص النقاشات والمبادرات الجارية والمسارات الممكنة لضمان جبر الضرر لضحايا النزاع في السودان.
تقول كيتلين: بالنسبة لضحايا النزاع في السودان، يجب أن تتضمن تدابير جبر الضرر إجراءاتٍ تعالج الأسباب الهيكلية للعنف والإفلات من العقاب. وتستعرض كيتلين لويد السبل التي يمكن للاتحاد الأفريقي من خلالها تعزيز دوره في الدفع نحو المساءلة وجبر الضرر وتحقيق سلامٍ أكثر استدامة.
تُقر المبادئ التوجيهية الأساسية للأمم المتحدة بخمسة أشكال لجبر الضرر المستحق للضحايا. ومن بين هذه الأشكال، تأتي “ضمانات عدم التكرار” – أي التدابير الرامية لمنع تكرار التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة مستقبلاً – لتكون الأقل حظاً في نيل الاهتمام الكافي. ويُعد هذا القصور أمراً بالغ الأهمية في الحالة السودانية، حيث تتكرر أنماط العنف في دوراتٍ متعاقبة على مدى عقود، مدفوعةً بمشكلاتٍ قانونية ومؤسسية وسياسية واجتماعية واقتصادية متجذرة. لذا، فإن أي حملةٍ فاعلة لجبر الأضرار التي لحقت بالضحايا يجب أن تضع في صلب أولوياتها تفكيك الأنظمة التي تسمح بالعنف وتشجعه باعتباره الوسيلة الرئيسية لممارسة العمل السياسي في السودان.
وفي غضون ذلك، يدخل النزاع المسلح المدمر والمستمر في السودان عامه الرابع (أي مرور ثلاث سنوات ونصف). وقد تحول الوضع في السودان – الذي بات يمثل أسوأ أزمة إنسانية وأزمة نزوح في العالم – إلى نموذجٍ صارخٍ لسياسة الكيل بمكيالين؛ ولا سيما ما يتصل بعزوف الدول عن مواجهة الأطراف الرئيسية الراعية للفظائع، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعريض شراكاتها التجارية والاستثمارية للخطر. ويرى البعض في غياب تحركٍ عالميٍ فاعلٍ بشأن السودان تحدياً لجدوى النظام القانوني الدولي بحد ذاته.
في ظل هذه الظروف، ومما يبعث على الأسف، فإنه لم ينجح الاتحاد الأفريقي بعد في بلورة صوت مسموع ومؤثر يدافع عن المساءلة والسلام في السودان، ويكون قادراً على التأثير في حاضر البلاد ومستقبلها. يتمتع الاتحاد الأفريقي بسجل حافل في السودان يشمل توثيق ورصد انتهاكات حقوق الإنسان، وتحليل أسبابها الجذرية، ودعم جهود المساءلة، والوساطة في النزاعات. ومع ذلك، فإن تعدد الجهات الفاعلة حالياً، وبروز منصات وساطة متباينة، ومحدودية التعاون من جانب الأطراف المتحاربة، فضلاً عن القيود الهيكلية ونقص الموارد التي يعاني منها الاتحاد نفسه؛ كلها عوامل تهدد بتهميش دوره ليقتصر على دور ثانوي هامشي.
يتطلب الوضع ابتكاراً في الأساليب؛ فإذا أراد الاتحاد الأفريقي تصحيح مساره، فعليه الاستفادة بفعالية أكبر من مقوماته الفريدة. وتأتي في مقدمة هذه المقومات الثروة القانونية التي تزخر بها قرارات “ اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب “؛ إذ دأبت اللجنة على تلقي الشكاوى من الضحايا وإصدار استنتاجات قانونية بشأن المسؤولية عن انتهاكات “الميثاق الأفريقي” التي ارتكبتها السلطات السودانية، بدءاً من التجاوزات التي وقعت في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1989 بقيادة الرئيس السابق عمر البشير.
ومنذ أبريل 2023 وحده، تلقت منظمة “ريدريس” خمسة قرارات موضوعية من اللجنة الأفريقية لصالح موكلينا السودانيين. وتتضمن هذه القرارات نتائج جوهرية تثبت وقوع حالات تعذيب و سوء معاملة في أربع قضايا فردية ، فضلاً عن قرار تاريخي يحمّل السودان المسؤولية عن انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق في دعوى جماعية رُفعت نيابة عن مدنيين في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وفي هذه القضايا وغيرها، أصدرت اللجنة الأفريقية توجيهات مفصلة بشأن ضمان عدم تكرار الانتهاكات، مسلطةً الضوء على تغييرات تشريعية محددة، وإصلاحات مؤسسية، وتدابير أخرى يتعين على السودان تنفيذها لمعالجة ظاهرة الإفلات الهيكلي من العقاب التي تتسم بها مؤسسته العسكرية والأمنية.
كما يُعد تشكيل “البعثة المشتركة الافتراضية لتقصي الحقائق” -بقيادة اللجنة الأفريقية- تطوراً إيجابياً ومرحباً به. فقد تضمن تقرير البعثة الصادر في أكتوبر 2025 استنتاجات قوية حول الأسباب الجذرية للنزاع، وسبل جبر الضرر الشاملة التي تضع الناجين في صلب اهتمامها، وإصلاح القطاع الأمني، وخطاب الكراهية، والعدالة الانتقالية، وضرورة إيجاد آلية مساءلة بقيادة أفريقية تتكامل مع عمل المحكمة الجنائية الدولية. ولكن في ظل وضع يتسم بهذه الدرجة من الإلحاح، لا يكفي أن تظل التوصيات حبيسة قرارات وتقارير مطولة دون تفعيل. إن نظرةً أوليةً على جهود صنع السلام في السودان تبرز أهمية الإعداد الجيد، وتحديد الأولويات، ورسم “الخطوط الحمراء” التي قد يؤدي التنازل عنها إلى تقويض نزاهة العملية ونتائجها. لقد عانت عمليات السلام السابقة من مزيج متفاوت من المشكلات، شملت قصوراً في نهج المشاركة، وافتقاراً إلى أوراق الضغط، وجداول زمنية متسرعة، واتفاقات غير متوازنة، وأطرافاً معرقلة سعت لبث الفرقة والانقسام. ولعل أخطر هذه الإخفاقات أثراً هو ما يُعرف بـ “صنع السلام السلبي“، حيث تم تحقيق سلام قصير الأمد على حساب المساءلة والعدالة وجبر الضرر. ولم يقتصر الأمر على فشل هذا النهج في كسر حلقة العنف المسلح والانقلابات العسكرية فحسب، بل إنه حفّز الأطراف الفاعلة على استخدام المزيد من العنف للحصول على حصة أكبر من السلطة والثروة والشرعية والمزايا الأخرى المترتبة على اتفاقيات السلام.
يمتلك الاتحاد الأفريقي فرصةً لقيادة جهود تهدف إلى ضمان عدم تكرار الانتهاكات وتحقيق “السلام الإيجابي” في السودان؛ وهناك سابقة تدعم هذا التوجه. ففي ديسمبر 2020، وخلال فترة عمل الحكومة الانتقالية التي لم يُكتب لها النجاح، توصلت مجموعة من منظمات المجتمع المدني إلى تسوية مع السودان بشأن شكوى قُدمت إلى “اللجنة الافريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهه “. وقد استندت القضية فعلياً إلى الوقائع ذاتها المتعلقة بقضية جنوب كردفان والنيل الأزرق المذكورة آنفاً، إلا أنها استندت قانونياً إلى انتهاكات الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهه.
وتُعد التسوية التي تم التوصل إليها في هذه القضية (وهي وثيقة تستحق القراءة بتمعن) نموذجاً لافتاً نظراً لاتساع نطاق التزامات جبر الضرر التي تعهدت بها الحكومة الانتقالية آنذاك. وشملت تلك الالتزامات تعهدات مفصلة بشأن ضمان عدم تكرار الانتهاكات، وكانت هذه التعهدات تمثل الإدماج التشريعي السليم لجرائم القانون الدولي في القوانين الوطنية، وإجراء إصلاحات جوهرية للقوانين السودانية المتعلقة بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات. ورغم أن مسار التنفيذ قد أُجهض فعلياً عقب الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، إلا أن النموذج في حد ذاته يظل سليماً وقابلاً للتطبيق.
على الرغم من خطورة الوضع في السودان، ينبغي ألا نغفل عن هدفنا المتمثل في كسر هذه الحلقة المفرغة. ويتعين على الاتحاد الأفريقي دعم هذا الهدف من خلال جعل مبدأ “عدم التكرار” أولوية استراتيجية في تعامله مع الملف السوداني؛ إذ يتمتع الاتحاد بالمصداقية والمكانة المناسبة، فضلاً عن امتلاكه حوافز قوية للقيام بذلك. وإذا نجح الاتحاد الأفريقي في نهاية المطاف في تغيير النمط السائد الذي يُهمش قضايا العدالة والمساءلة وجبر الضرر في أجندة السلام، فسيكون قد لعب دوراً محورياً في تأمين مستقبل السودان في ظل حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.
بالنسبة للناجيات والناجين، قد تبدأ عملية جبر الضرر بعبارة بسيطة ولكنها عميقة الأثر: “نحن نصدقكم. وما حدث لكم يهمنا. ولن نقبل بأن يتكرر ذلك معكم مرة أخرى”.
اشترك في نشرة «جبر الضرر العادل
تم تمويل هذا العدد من نشرة «جبر الضرر العادل» بشكل مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية الكاملة عن محتوياته على عاتق المنظمات التي أعدّت هذا المنشور، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي.
